بعد إجازة أمومة دامت ستة أشهر قضيتها مع طفلي في أحضان المنزل، عدت إلى رأس العمل في نهاية شهر يناير، وبدأت مرحلة جديدة من حياتي كنت أتخوف منها قبل أن تبدأ.
عندما كنت أحضر شهادة الدكتوراه، كان جدولي اليومي مرن، خصوصاً بعدما كبر طفلي الأول وأنهيت موادي الدراسية، وأصبح تركيزي التام على بحثي العلمي. حينها لم أواجه العديد من الصعوبات في موازنة وقتي. ولدى عودتي من دراستي بالخارج قبل عام ونصف، عملت من المنزل (عن بعد) حتى موعد ولادتي، وهذا وفر علي وقت الذهاب لمقر عملي والعودة منه. وعلى الرغم من صعوبة بعض الأيام والليالي بعد قدوم طفلي الثاني، كنت أجد وقتاً كافياً للاسترخاء حينما كان يأخذ طفلي قيلولته، أقضيه في القراءة والكتابة، أو التمشية خارج المنزل ، أو مع طفلي الأكبر بعد عودته من الروضة.
لكن لدى عودتي للعمل بالمكتب قبل خمسة أشهر، وجدت نفسي أسابق الزمن كل يوم كما كنت أخشى، ابتداء من رنين منبهي في تمام الساعة الخامسة صباحاً- حينها نستيقظ ونستعد لليوم، ونجهز طفلينا للذهاب للروضة، باذلين جهدنا أن نخرج من المنزل قبل ساعة الزحام في الطريق. يستمر هذا السباق مع الوقت خلال اليوم وحتى موعد نوم الأطفال. بعدها أجد نفسي منهكة القوى، لا أملك من الطاقة إلا ما يكفي لتناول وجبة العشاء وقضاء بعض الوقت مع زوجي.
تحدثت مع بعض زميلاتي من الأمهات عن حياتهن اليومية على أمل الاستفادة من خبرتهن وسماع ما قد يفيدني في تنظيم وقتي، وتكلمن عن نفس الشعور بالعجلة وضيق الوقت، وأن هذه طبيعة الحياة كوالدات لأطفال صغار. شعرت بالإحباط لأنني لم أحلم أن أعيش حياتي بهذه الطريقة: أسابق الوقت فتمر الأسابيع والشهور ثم السنين، وأجد نفسي وأطفالي في مرحلة عمرية جديدة، وقد فاتتني تفاصيل حياتنا لأن مخي كان مشتتاً بمسؤوليات الحياة اليومية. وفي الوقت نفسه كنت أعلم أن هذه المسؤوليات وساعات العمل خارج سيطرتي، وإن أردت إجراء أي تغيير فسيكون محكوماً بهذه الظروف. لذا إن لم أكن قادرة على تغيير ظروفي الخارجية، سيتعين علي تغيير نفسي، وتساءلت عما إن كان بالإمكان التخلي عن شعور العجلة حتى مع زحام الروتين اليومي.
حاولت التفكير في طرق تقلل من هذه العجلة وتجعلني مسترخية أكثر وحاضرة في حياتي وحياة أطفالي، وبعد الكثير من التفكر والبحث والتجربة، توصلت إلى عدد من التغييرات التي ساعدتني في تحقيق هذا الغرض. هذه الطرق تنبع من مبدأ الحضور الذهني، وهو مصطلح تعلمته أيام الجامعة في إحدى مواد الصحة (Wellness).
الحضور الذهني يعني المحاولة قدر المستطاع أن نكون حاضرين ذهنياً في اللحظة الحالية وما يحدث فيها، مدركين لأفكارنا ومشاعرنا، متقبلين لها بغض النظر عما إذا أعجبتنا أم لا. عندما نكون في هذه الحالة من الحضور الذهني، يقل تشتت تفكيرنا في الماضي والمستقبل، وهذا بذاته يخفف من شعورنا بالعجلة لأننا لا نسعى للابتعاد عن هذه اللحظة.
اكتشفت ان أكبر عدو لي في الحضور الذهني هو الجوال. حتى عندما لا أستخدمه، وجوده فقط بجانبي وصوت اشعارات الوتساب أو تطبيقات السوشال ميديا كافي لتشتيت تفكيري وإبعادي عن الحاضر، لذا قمت بالتالي، والجدير بالذكر أنني قمت بعمل نفس هذه التغييرات وقت دراستي بالجامعة، ومع التغييرات في حياتي مؤخراً أحسست بأهميتها من جديد:
- حذف جميع تطبيقات السوشال ميديا من جوالي، واستخدام بعضها فقط لدى استخدامي إلى اللابتوب
- إطفاء اشعارات مجموعات الوتساب، وأحياناً اشعارات المحادثات الفردية حين أحتاج للتركيز سواء في العمل أو في المنزل مع عائلتي
- استخدام تطبيقات تساعدني على التحكم بمدة استخدامي للجوال، كتطبيق Forest
- الالتزام بروتيني الصباحي في التأمل لمدة عشر دقائق، ودائماً أستخدم تطبيق Headspace لهذا الغرض
بالإضافة إلى التحكم باستخدامي للجوال، عملت أيضاً على تغيير نمط حياتي. بدأت أبحث عن طرق أقضي بها ما أملك من وقت الفراغ دون النظر للشاشة، واكتشفت أن الهوايات اليدوية تساعدني في شحن طاقتي ولا تتطلب مجهوداً ذهنياً كبير، كالرسم أو الطبخ أو عزف آلة موسيقية، أو أي نوع من الهوايات التي يمكن القيام دون التركيز على النتيجة، لأن الغرض من هذه الهوايات في النهاية هو الاستمتاع.
بداية التغيير كغيرها من البدايات كانت صعبة، ولكن بعد فترة من التزامي بها، بدأت ألاحظ تحسناً في نمط حياتي اليومي وحضوري الذهني. ولكن ما كان له الوقع الأكبر على حياتي كان تغييراً داخلياً في عقليتي. وجدت أن تقبل الواقع كما هو بكل مسؤولياته وفوضويته خفف من شعوري بالعجلة. أحاول تقبل ما لا يمكنني السيطرة عليه وتخطيط يومي بمرونة، والتخلي قدر المستطاع عن عقلية الإنجاز (أن حياة المرء تقاس بمدى انتاجيته)، وأن أتبنى عقلية صحية أكثر، بحيث أبذل ما بوسعي لإنجاز مهام معينة وفي نفس الوقت أقلل توقعاتي عما يمكن إنجازه أي يوم.
أذكر نفسي مراراً بأن الحياة مكونة من مراحل مختلفة. وأنا حالياً في مرحلة التربية- مرحلة يندر فيها وجود وقت لنفسي. ربما لن أقضي نصف ساعة قبل النوم أقرأ حتى تثقل أجفاني، أو أذهب إلى النادي الرياضي بعد العمل كما كنت أفعل قبل سنين، وقد نضطر لأن نطلب وجبة العشاء من الخارج أكثر مما أرغب. ولكني أحاول تذكير نفسي بأن مرحلة الطفولة قصيرة، وفي ليلة وضحاها سيكبر أطفالي ولن يحتاجوا لي كما هم الآن، وكل ما لا أستطيع فعله حالياً قابل للتعويض إلا وقتي مع أطفالي في نعومة أظفارهم.
حينما يأتي اليوم الذي أفتقد فيه هذه اللحظات وأتمنى أن تعود، سأشعر بالراحة وقتها لأنني حاولت قدر المستطاع أن أكون حاضرة في حياتهم، مدركة لكل تفاصيلها الصغيرة.
هنالك أيام لا زلت أعود فيها للمنزل متعبة بعد دوام طويل، لا أملك فيها طاقة كي ألعب مع أطفالي أو أركز معهم، وكل ما أريد فعله هو الجلوس أمام شاشة التلفاز أو الكمبيوتر حتى موعد نومي. تعلمت أن أتقبل هذه الأيام أيضاً.
أرجو أن تجدوا ما يفيد من تجربتي خلال الشهور الماضية، و ستسعدني قراءة أي تعليقات عن تجاربكم الخاصة في موازنة وقتكم والعيش في اللحظة.