رحلة إلى قطر بالسيارة

في إجازة يوم تأسيس المملكة العربية السعودية الماضي، قررت أنا وأسرتي الصغيرة أن نذهب في رحلة إلى دولة قطر. لم أزر قطر من قبل سوى كمحطة لتحويل الرحلات أثناء السفر دوليًا. لكن بعد استضافتها لكأس العالم وما سمعته عنها من كل من زارها، شعرت بالرغبة لرؤيتها بنفسي. 

حين بدأنا بالتخطيط للرحلة، كان السفر جوًا هو الخيار التلقائي الذي طرأ على بالي كون كل رحلاتي الدولية بالطائرة باستثناء رحلات البحرين. لكن التفكير في بعض الأمور جعلني أعيد النظر وأدرس فكرة السفر بالسيارة. الرحلة براً ليست طويلة وقد تكون ممتعة خصوصاً في هذا الوقت من السنة. كما أنها ستمنحنا الفرصة لرؤية المناظر الطبيعية على جانبي الطريق والتوقف في بعض المدن للراحة وتناول الوجبات.

بعض التردد في اتخاذ القرار تلاشى حين وقفت على اسعار تذاكر الطيران الخيالية لرحلة قصيرة لا تتعدى الأربعين دقيقة. فأسعار التذاكر لا تستحق عناء الانتظار في المطارات وتعب إجراءات السفر التي صارت هاجس كل مسافر جوا. 

بدأت أفكر أكثر في إيجابيات السفر بالسيارة؛ بالإضافة لتوفير مبالغ الرحلة الجوية لأربعة مقاعد، لن نضطر لاستئجار سيارة عند وصولنا للدوحة أو لشحن مقاعد أطفالنا أو وزن الأمتعة. وفضلًا عن ذلك، عندما حسبت الوقت الكلي الذي سيتطلبه سفرنا بالطائرة وجدته لا يقل عن رحلة السيارة عند الأخذ بعين الاعتبار مسافة الطريق من البيت للمطار، ثم الانتظار في المطار قبل الرحلة لأكثر من ساعتين ثم إجراءات المطار في الدوحة وإجراءات استئجار السيارة، بالإضافة لمسافة الطريق من المطار إلى الفندق.

بدأت أقتنع بأن السفر بالسيارة هو الخيار الأفضل ولذا بنينا خطة الرحلة عليه. ومع اقتناعي بالقرار لا أنكر ما صاحبه من توتر. تخيلت طفلي الصغير حين يبكي لسبب أو بدون سبب ويستمر في البكاء ونحن في منتصف الطريق بعيداً عن أي محطة نتوقف عندها لتهدئته وتسليته. وتخيلت أيضا طفلي الأكبر حين يصاب بالضجر والملل بسبب طول المسافة أو أن يحتاج لدورة المياه وسط الطريق. 

لكني أدرك وأؤمن دائما أن بعض التوتر نافع، لذا تقبلت وجوده كجزء من التجربة وفعلت ما بوسعي للاستعداد وللتغلب على جذور مسببات التوتر. جهزت وجبات خفيفة للطريق واخترت كتباً منوعة من التي يحبها أطفالي، وحضرت بعض الألعاب والتمارين الذهنية التي يحبها ابني الكبير لكي نلعبها أثناء الرحلة. كما قمت بتهيئة نفسي للتعامل مع المصاعب التي قد نواجهها في الرحلة. 

في يوم السفر، مشت الأمور بيسر ولم يحصل أي مما أقلقني قبل السفر. كان طفلاي مريحين طوال الرحلة ومضى الوقت أسرع مما تصورت. وجدت نفسي أستمتع بالمشوار مع زوجي وأطفالي والحديث معهم، بمنظر الكثبان الرملية التي تمنيت لو سنحت لنا الفرصة بتسلقها مع أطفالنا واللعب فيها، والنباتات الصحراوية التي أنعشتها الأمطار على جانبي الطريق، والجِمال التي تسكعت حول جانبي الشارع في منتصف رحلتنا ، وبعض الجبال والتضاريس التي أسعدت عالمة الأرض التي بداخلي. 

استغرقت إجراءات السفر في الحدود بين السعودية وقطر بضع دقائق ولم نواجه فيها من المصاعب أي شيء يذكر، وخلال أقل من ساعة وجدنا أنفسنا في ردهة الفندق. بمجرد أن وصلنا لم أنس تعب الرحلة فحسب، بل أيضا القلق والتوتر الذي صاحبني قبل بداية الرحلة، ولم أتذكره إلا الآن وأنا أكتب هذا المقال وأسترجع لحظات هذه الرحلة الجميلة.

تساءلت بيني وبين نفسي عن عدد المرات التي ترددت فيها عن الإقدام على عمل شيء ما بسبب خوفي منه وربما أجفلت عن القيام به. لم تكن تلك المرة الأولى التي يتصور فيها ذهني واقعاً لم يحدث ولا الثانية ولا الثالثة، وغالباً لن تكون المرة الأخيرة. كثير منا يخلق من بعض الوساوس مخاوف ليس لها واقع ويعطيها أكبر من حجمها، وربما يفسد خططه للمستقبل بناء على هذه المخاوف. ولكن الواقع هو أن كثيرًا من مخاوفنا لا تعدو كونها مشاعر كاذبة لا مصداق لها بالضرورة على أرض الواقع. 

بعض الخوف والقلق مفيد لأنه يساعدنا على الاستعداد للمستقبل، مثل الخوف المعقول من اختبار معين حيث يدفعنا للاجتهاد والمذاكرة. والمهم برغم كل ذلك هو أن نسأل أنفسنا دائما عما إذا كان الذي يقلقنا هو أمر حقيقي أو وهم. فإن كان وهما، علينا أن نحاول التوقف عن التفكير فيه ونمضي بحياتنا اليومية، وأما إذا كان واقعياً، فإن كان بمقدورنا تجنبه فلنفعل ذلك وإلا علينا الاستعداد لمواجهته قدر المستطاع. وكما يقال: علينا أن نفكر بالأمور التي نستطيع التحكم فيها والاستعداد لها والابتعاد عن التفكير في الأمور التي لا نستطيع التحكم فيها.  وما لا يقل أهمية عن كل ذلك، علينا أن نعلم أطفالنا أن الخوف شعور طبيعي عند مواجهة أي شيء جديد. هذا ليس نقصا في الإنسان بل هو نعمة متى ما عرف كيف يتعامل معها.

هل نكبح خيال أطفالنا دون قصد؟

حين بدأت مرحلة الدكتوراه قبل ست سنوات، كان عمر ابني لا يتجاوز بضعة أشهر. ومن أصعب ما مررت به آنذاك هو الشعور بالذنب الذي ينتابني حينما أضطر لترك طفلي يومياً لعدة ساعات في حضانة الجامعة. لم تكن الحضانات متعارفاً عليها في مجتمعنا بعد، ولا يزال الأجداد -حتى اليوم- الخيار الأول لكثير من الناس في الاهتمام بالطفل في سنينه الأولى. ولكني لم أحظ بتلك الفرصة، إذ كنت مغتربة عن أهلي، ولم أكن أعرف سوى قلة من الأمهات من جيلي ممن مررن بنفس تجربتي في الخارج. كان كل شيء جديداً علي. ولكي أخفف من شعوري بالذنب، عزمت على أن تكون كل ثانية أقضيها مع طفلي ذات معنى، مليئة بالأنشطة والفعاليات. كنت أخرج معه للملعب المقابل لمنزلنا يومياً بعد العودة من الحضانة، أدفعه على الأرجوحة أو أضعه في حضني وأنزل معه على الزحلوقة. وما إن ننتهي من اللعب بالخارج حتى ندخل للمنزل وألعب معه بكل ما وقعت عيناه عليه. يستمر هذا الروتين حتى نقرأ الكتب قبيل موعد نومه ثم أغطيه وأقبل خديه. حينها فقط أسمح لنفسي بالتركيز على الأمور الأخرى. 

لا أنكر ما انطوى عليه هذا القرار من إرهاق بالغ. في معظم الأوقات، أكون خائرة القوى بنهاية اليوم. ولكني مع ذلك كنت مقتنعة بصحة قراري، وأن هذا جزء من مسؤوليتي كأم لكي أعوض طفلي عن غيابي عنه. فمهما كانت كمية انشغالاتي أو شدة تعبي، يتوجب علي وضع كل شيء جانباً والتركيز على طفلي في كل لحظة أقضيها معه. 

لعدة سنوات، لم يخل جدول طفلي من نشاط نعمله معاً. ولم أشعر بعواقب قراري حتى شهر مارس ٢٠٢٠. أغلقت الحضانة أبوابها قبل عطلة الربيع بأسبوع نظراً لتفشي عدة حالات من فيروس كورونا في الجامعة، على أمل أن تفتح أبوابها بعد نهاية العطلة. ولكن مع مرور الوقت، أدركنا أنا وزوجي والعالم بأكمله أن حياتنا كما عهدناها قد تغيرت. ووجدنا أنفسنا لأول مرة جليسي البيت مع طفل نشيط بلغ آنذاك أربع سنوات، لم يعتد أبداً على اللعب بمفرده.

شعرت بالتوتر وأنا أفكر فيما كان ينتظرنا. تلك السنة كانت آخر سنين الدراسة، وكان يجب علي إنهاء آخر مشروع بحثي وكتابة أطروحتي في الوقت الذي كان زوجي يحاول فيه هو الآخر إنهاء بحثه، كل هذا بالإضافة إلى رعاية صغيرنا الذي كان يطالب باهتمامنا طيلة الوقت. 

اتضح لي منذ الأسابيع الأولى أن وضعنا كما كان عليه غير قابل للاستمرار، وأنني إن لم أجد طريقة لشغل طفلي فلن أستطيع التخرج في الوقت المحدد. بدأت أبحث عن مصادر تساعدني، وتواصلت مع مركز استشاري للعوائل في منطقتنا. عقدنا اجتماعاً عن بعد مع أخصائية أطفال وشرحنا لها وضعنا، وأعطتنا من النصائح ما وجدنا منه الفائدة، كتجهيز عدد من الأنشطة يومياً يمكن لطفلنا أن يتنقل بينها، ووضع خطة يومية واضحة، واضعين بعين الاعتبار أن الطفل في هذا العمر قد لا ينخرط في أي نشاط سوى بضع دقائق، قبل أن ينتقل بتركيزه إلى أمر آخر. ولكن أهم نصائحها كانت ببساطة تعويد الطفل على تقبّل فكرة أن للوالدين مهام أخرى، وأنه لا مانع من الاعتذار عن اللعب مع طفلنا إن كنا مشغولين بشيء آخر، وهو ما لم أجرؤ على فعله من قبل. 

بدا الكلام سهلاً. كل ما كنت أحتاج فعله هو الاعتذار لابني إن لم أتمكن من اللعب معه. وضّحنا له أن هناك وقتاً معيناً من اليوم نلعب فيه معه، وأننا قد نكون مشغولين بمهام أخرى في بقية الأوقات. ولكن تطبيق ذلك كان أصعب مما توقعت. كان التغيير صعباً على طفلي، وكان يقابلني بالبكاء أو الإلحاح علي لكي ألعب معه، أو ربما يقاطعني بين الحين والآخر ليتذمر من لعبه بوحده. ولكننا استمرينا في خطتنا. وذات صباح بعد عدة أيام، دهشت لرؤية طفلي يلعب بمفرده لأول مرة. استغرق في اللعب بعض دقائق فقط، ولكنها كانت كافية لتشجيعي بالاستمرار. ومع مرور الوقت، ازدادت مدة لعب ابني بمفرده. رأيته يدخل بخياله لعالمه الخاص، ويخلق قصص وشخصيات لم أعلم أنها تسكن في مخيلته، وتحولت غرفة معيشتنا الصغيرة إلى مملكة سحرية يحكمها بنفسه ويمتلك حرية تامة في كل تفاصيلها. 

أدركت في تلك اللحظة أن ضرر القرار الذي ظننته صائباً قبل عدة سنوات لم يقتصر علي فقط، بل طال ابني كذلك. لم أمتلك القدرة التخيلية التي امتلكها عقل طفلي آنذاك، وهو العقل الذي كان حرًا غير محدودٍ بقوانين العالم بعد. أدركت كوني سببًا في الحد من مخيلة طفلي لما خصصت أغلب أوقاتي في اللعب معه؛ مهما حاولت مجاراته في لعبه، كنت لا شعورياً أبدي رأيي في أحداث القصة التي نعمل على تمثيلها وأعطي مقترحاتي فيما نفعل. لم يكن لدي تصور لمدى اتساع خيال طفلي، وهو الاتساع الذي يمكن الغرق فيه في أمواج رحابته. 

جعلني كل ذلك أفكر كيف أننا ربما نحكر أطفالنا من دون قصد. نعتقد أننا نعلم ما في مصلحتهم، فنسجلهم في نشاطات معينة أو قد نرغمهم على تعلم مهارة معينة لأننا موقنون بأن هذا هو الأفضل لهم. ولكننا في الواقع قد نشكلهم ليناسبوا قالب توقعاتنا، وننسى أن لهم شخصياتهم الخاصة الجميلة التي تميزهم عن غيرهم.

لست أقول بأن نترك لأطفالنا الحرية التامة في حياتهم، وليس من المعقول أن نتجاهل دورنا كأهالي ونتجاهل ما جمعنا من تجارب وخبرات في الحياة. ولكن ربما علينا أن نقلل من التدخل في جدول أطفالنا اليومي ونتذكر بأنهم قادرين على اللهو بأنفسهم، ونفسح لهم مجالاً من الاستقلالية ليجدوا أنفسهم، وليشعروا بالملل ويستكشفوا اهتماماتهم وإمكانياتهم. 

الوقت ليس كالسيف: كيف أغرقتنا عقلية الإنجاز في الظلام؟

خلال تصفحي يوتيوب ذات يوم، شد اهتمامي فيديو لرجل أعمال يدعى كريم أبو الناقة. فيه يعطينا رجل الأعمال خلال أقل من دقيقتين نبذة سريعة عن يومه الذي يبدأ منذ الرابعة والنصف صباحًا حتى موعد نومه في آخر ساعات اليوم. 

ما يغلب على الفيديو منذ البداية هو تركيزه على عامل السرعة، سواء في طريقة تصوير وإخراج المقاطع المختلفة وانتقالنا من مشهد لآخر بلمح البصر، أو في طريقة تحدث كريم نفسه عن تفاصيل يومه. نرى كريم مثلًا يركب القطار متجهاً لمقر عمله قبل أن ينتقل بنا المشهد سريعًا لكريم وهو يعمل على كمبيوتره ويمشي على جهاز السير المتحرك في الوقت نفسه. وما إن تمضي بضع ثوان حتى يأخذنا المشهد مباشرة إلى غرفة اجتماعات يتحدث فيها كريم مع موظفيه.

بدا الفيديو بأكمله وكأنه سباق مع الزمن، سباق يكاد يخسره كريم إذا ما تباطأ لوهلة أو توقف لالتقاط أنفاسه. استوقفتني بالتحديد عبارتان ذكرهما كريم في حديثه عن يومه، وهما عبارتان توضحان برأيي مخاطر عقلية الإنجاز حينما تتفاقم وتتحول إلى أسلوب حياة وغاية في حد ذاتها.

ذكر كريم العبارة الأولى أثناء خروجه من منزله متجهاً لمقر عمله. رأيناه يضع سماعاته في أذنيه وهو يقول: “أستمع (للكتاب الصوتي) بسرعة ثلاث أضعاف السرعة المتوسطة، وأنهي أكثر من كتاب بالأسبوع”. أما العبارة الأخرى فقد وردت في الثانية ٥٤ ، حينما ذكر كريم أنه يكتب ويعمل على نشر ثلاثة كتب في الربيع.

راودتني العديد من التساؤلات. ما الهدف من الاستماع لكتاب صوتي بثلاث أضعاف سرعته الحقيقية؟ وما مدى الاستيعاب الناتج عن ذلك؟ ولأي درجة يستطيع الكاتب التركيز وهو يعمل على نشر ثلاثة مؤلفات مختلفة في نفس الوقت؟ ربما كان الهدف من عرض الفيديو وإنتاجه بهذه الطريقة هو تحفيز مشاهديه، ولكني وجدت نفسي نافرة منه. قد يجبرنا العالم الوظيفي في كثير من الأحيان على أن نتحرك بوتيرة أسرع مما نرغب من أجل المحافظة على وظيفتنا أو التقدم في سلمها الوظيفي. ولذا لا نملك حينئذ خياراً سوى تسريع خطانا على أمل ألا نخسر هذا السباق. ولكن علينا الحذر من الوقوع في فخ استحضار هذا السباق لحياتنا الشخصية بحيث تصبح الإنتاجية مقياسًا لجودة حياتنا،  مما قد يحدو بنا للنظر إلى الأنشطة الترفيهية وغيرها كأنها مضيعة للوقت.

ربما استوقفني هذا الفيديو لكونه منشورًا على قناة فوربز ولكون بطله شخصًا يحمل اسمًا عربيًا، ولكنه ليس الفيديو الوحيد الذي يروج لعقلية الإنجاز. تكثر على الإنترنت مقالات وفيديوهات تتحدث عن طرق تمكن الشخص من تنظيم وقته بأدق صورة ممكنة بحيث لا يضيع أي ثانية من يومه. وبعضها يقدم نصائح قد تكون مفيدة فعلًا، ولكنها حين تصاغ ضمن إطار الإنتاجية بصفتها هدفًا، أو حين تعرض كنمط حياة مرغوب به، فهنا تكمن مشكلة. كيف لنا أن نستمتع حينها بأي شيء نفعله خارج السباق الموهوم؟ إذا لم نتوقف بين الحين والآخر لنلتقط أنفاسنا ونستمتع باللحظة، ربما نجد أنفسنا في نهاية الطريق وصلنا وجهة لم نكن نقصدها منذ البداية. 

لماذا لا أمدح ذكاء طفلي؟

ابني في السادسة من عمره، وكأي طفل في هذه المرحلة العمرية، كثيراً ما يأتي ليريني عملاً يفتخر به، كرسمة رسمها أو مسألة توصل لحلها بنفسه. أنظر إليه وعيناه مليئتان بالحماس والترقب لردة فعلي. في هذه المواقف، أحاول أن أركز على فخري بإصراره وعلى المجهود الذي بذله حتى ينهى عمله، وأتجنب أن أثني على موهبته أو ذكاءه. 

قد يبدو فعلي لوهلة سلبياً. أي أم تمتنع عن مدح ذكاء طفلها؟ أليس من واجبنا كأهالي أن نبني شخصيات أطفالنا بالإطراء نعزز ثقتهم بأنفسهم بالمدح؟ 

تصرفي مبني على نتائج أبحاث الدكتورة كارول دويك، باحثة علم نفس في جامعة ستانفورد الأمريكية. دويك كرست مسيرتها المهنية لدراسة العقلية وتأثيرها على أدائنا في مختلف المجالات، ولخصت نتائج أبحاثها في كتابها”العقلية”.

في كتابها، تشرح الدكتورة دويك نوعيتين من طرق التفكير أو العقليات. أولها هي العقلية الثابتة أو الصلبة، وهي اعتقادنا بأن أداءنا ثابت وغير قابل للتغيير مهما حاولنا، كمستوانا في مادة الرياضيات، أو قدرتنا على تعلم لغة جديدة أو العزف على آلة موسيقية. النوع الثاني هو عقلية النمو: نؤمن أن أداءنا دائماً قابل للتحسن بغض النظر عن صعوبة ما نحاول تعلمه. 

دويك أجرت الكثير من التجارب العلمية لدراسة مدى تأثير العقلية على أدائنا في مختلف المهام، وأشارت نتائج أبحاثها إلى أن أداء الأشخاص اللذين يتملكون عقلية نمو أفضل من ذوي العقلية الثابتة، وأن العقلية الثابتة لها أثر سلبي على أداء الشخص. في إحدى تجاربها على مجموعة من طلاب المدرسة، قسمت دويك الطلاب إلى مجموعتين وطلبت منهم حل اختبار سهل. بعد الاختبار، أثنت دويك على المجموعة الأولى بعبارات ك”لا بد أنك ذكي. لقد تمكنت من حل جميع المسائل”. بينما ركزت في -في تقييمها للمجموعة الثانية- على مدح “جهود” الطلاب بدلاً من “ذكائهم”. بعدها أعطت دويك كلا المجموعتين اختباراً أصعب، وهذه المرة لاحظت دويك أن كثيراً من طلاب المجموعة الأولى استسلموا عندما واجهوا صعوبة في حل الاختبار، بينما استمر طلاب المجموعة الثانية في حل الاختبار، وحاولوا التفكير في أكثر من طريقة لحل المسائل الصعبة، مما أدى إلى نتائج أفضل في الاختبار. لدى مقابلتهم بعد الاختبار، أظهر طلاب المجموعة الثانية قابلية أكثر لمواجهة تحديات أصعب في المستقبل، بينما فضل طلاب المجموعة الأولى المواصلة في حل الاختبارات الأسهل.

لطالما نظرنا للذكاء على أنه صفة ثابتة: طفلتنا إما أن تكون ذكية في الرياضيات وإما لا. وحين نثني على ذكاء أطفالنا أو موهبتهم في مجال معين، فإننا وبدون قصد نحد من إمكانياتهم. فحين يحاولون ويخطئون، سيعتقدون أنه ليس لديهم الذكاء الكافي لاكتشاف الحل الصحيح . بينما عندما نثني على جهود أطفالنا، فإننا نركز على سمة بإمكانهم تحسينها. إن حاولوا وأخطأوا، كل ما عليهم فعله هو بذل مجهود أكبر.

أهم نتائج أبحاث دويك هي أننا لسنا مولودين بعقلية معينة: كلنا لديه القابلية لتبني أي من هاتين العقليتين. فربما نمتلك عقلية نمو في مجال معين، وعقلية ثابتة في مجال آخر. واستنتجت أيضاً أنه بإمكاننا تغيير عقليتنا من خلال تغيير الطريقة التي نحدث بها أنفسنا وأطفالنا. أبسطها إضافة عبارة “حتى الآن” حينما نقول بأننا غير قادرين على تعلم شيء معين. حين ننهي الجملة ب “حتى الآن” نعطي أنفسنا الفرصة لتحسين أدائنا بالمحاولة، وهذا ما أثبتته تجارب دويك. 

قرأت كتاب “العقلية” في ٢٠١٤ في بداية دراساتي العليا في جامعة ستانفورد، وكان له الأثر الكبير على مسيرتي الدراسية. علقت ورقة على جدار مكتبي فيها مقارنة للعبارات التي نستخدمها في حديثنا الداخلي سواء في عقلية النمو أو العقلية الثابتة. كلما واجهت صعوبات في البحث أو إحدى المواد أو وجدت نفسي أتبنى عقلية ثابتة، ذكرت نفسي بعقلية النمو وأضفت عبارة “حتى الآن” في حديثي مع نفسي. 

لذا في تعاملي مع طفلي، أذكر نفسي دائماً بأن أثني على مجهوده، وعندما يشعر بالإحباط حين يرتكب خطأ في مسألة معينة أو عندما تستغرقه أكثر مما كان يتوقع، أذكره بعبارة “حتى الآن”، وأنه مع المجهود سيتمكن من عمل ما كان يبدو صعباً في البداية. 

لا تبكِ

قبل بضعة أشهر، أخذت طفلي ذو الخمس سنوات في زيارة روتينية للمستشفى. كانت إحدى أكبر مخاوفه هي غرزه بالإبرة، وسألني مراراً وتكراراً عما إذا كانت زيارته للمستشفى ستتضمن ذلك، وبقدر ما تمنيت أن أعِده بأن ذلك لن يحدث، أخبرته بأنني لا أستطيع الجزم ولكنني سأكون بجانبه مهما حصل.

بعد انتهاء الممرضة من الفحوصات الروتينية، أخبرتنا بأن طفلي سيحصل على حقنة وذهبت لإحضار العدة. حينها بدأ طفلي بالبكاء وهو يترقب عودة الممرضة. جلست بجواره أحضنه وأطمئنه حتى هدأ. دخلت بعدها الممرضة وفي يديها الحقنة، وما أن بدأت تمسح ذراع طفلي بمسحة الكحول حتى عاد للبكاء من جديد. فقالت له الممرضة بحنان: don’t cry “لا تبكِ”

رد طفلي غاضباً والدموع تنهمر من عينيه: It’s ok to cry “لا مانع من البكاء”

صمتت الممرضة لبعض ثوان وبدت وكأنها تفكر بعمق، ثم قالت: “أنت محق. لا بأس من أن نبكي. لا بأس من أن نغضب، أو حتى أن نصرخ عندما نغضب ما دمنا لا نؤذي غيرنا.”ابتسمتُ حينها فرحاً بقدرة طفلي على التعبير عن مشاعره ورأيه، وبالحوار الذي دار بينه وبين الممرضة.

رد طفلي لم يكن وليد اللحظة، بل أتى بعدما سمعنا نكرر هذه العبارة على مسامعه متى ما غمره الحزن وفقد السيطرة على مشاعره. طالما ترددت على مسامعنا العبارة ذاتها عندما كنا صغار، وربما استخدمناها مع غيرنا في أكثر من حين. ظاهرياً قد لا تبدو وكأنها مضرة. نقولها لأطفالنا لأننا نحبهم ولا نريد أن يشعروا بالحزن أو أي من المشاعر الصعبة، ولأننا نتمنى أن يكونوا أشداء لا تأثر عليهم مواقف نعتبرها بسيطة. ولكن الجانب المظلم لفعلنا هذا هو تعليم أطفالنا كتم مشاعرهم، وإرسال الرسالة لهم بأن الحزن سيء أو أن التعبير عنه خطأ. نتوقع منهم التصرف بطريقة لا تناسب عودهم الطري، والتوقف عن البكاء فقط لأننا نعتبر أن ما أبكاهم لا يستحق ردة الفعل هذه. ولكن كيف لهم أن يتعلموا التعامل مع هذه المشاعر إن لم يسمحوا لأنفسهم بأن يشعروا بها؟

الصمود لا يأتي بالامتناع عن التعبير عن المشاعر، وإنما بإفساح المجال لمشاعرنا أن تخرج عن طريق التعبير عنها بطريقة سلمية غير مؤذية لأي أحد. حينها نتمكن من تخطيها والمضي بحياتنا.  

لذا لا آمر طفلي بالتوقف عن البكاء حتى وإن بدا لي سبب بكاءه تافهاً، لأنني أعلم أنه ليس تافهاً بالنسبة له. وبدلاً من ذلك، أحاول التركيز على مساعدته في شعوره. أحضنه إن كان بكاءه خارجاً عن السيطرة، أحاول فهم ما يبكيه وأوضح له أي شيء قد يساعده في فهم الموقف إن كان فهمه خطأ.

في النهاية، المشاعر لا تدوم. بكى طفلي ذلك اليوم، وحصل على الحقنة، بعدها بدقيقتين عاد إلى طبيعته المرحة وكأن شيئاً لم يكن. 

عجلة الحياة اليومية

بعد إجازة أمومة دامت ستة أشهر قضيتها مع طفلي في أحضان المنزل، عدت إلى رأس العمل في نهاية شهر يناير، وبدأت مرحلة جديدة من حياتي كنت أتخوف منها قبل أن تبدأ. 

عندما كنت أحضر شهادة الدكتوراه، كان جدولي اليومي مرن، خصوصاً بعدما كبر طفلي الأول وأنهيت موادي الدراسية، وأصبح تركيزي التام على بحثي العلمي. حينها لم أواجه العديد من الصعوبات في موازنة وقتي. ولدى عودتي من دراستي بالخارج قبل عام ونصف، عملت من المنزل (عن بعد) حتى موعد ولادتي، وهذا وفر علي وقت الذهاب لمقر عملي والعودة منه. وعلى الرغم من صعوبة بعض الأيام والليالي بعد قدوم طفلي الثاني، كنت أجد وقتاً كافياً للاسترخاء حينما كان يأخذ طفلي قيلولته، أقضيه في القراءة والكتابة، أو التمشية خارج المنزل ، أو مع طفلي الأكبر بعد عودته من الروضة.

لكن لدى عودتي للعمل بالمكتب قبل خمسة أشهر، وجدت نفسي أسابق الزمن كل يوم كما كنت أخشى، ابتداء من رنين منبهي في تمام الساعة الخامسة صباحاً- حينها نستيقظ ونستعد لليوم، ونجهز طفلينا للذهاب للروضة، باذلين جهدنا أن نخرج من المنزل قبل ساعة الزحام في الطريق. يستمر هذا السباق مع الوقت خلال اليوم وحتى موعد نوم الأطفال. بعدها أجد نفسي منهكة القوى، لا أملك من الطاقة إلا ما يكفي لتناول وجبة العشاء وقضاء بعض الوقت مع زوجي. 

تحدثت مع بعض زميلاتي من الأمهات عن حياتهن اليومية على أمل الاستفادة من خبرتهن وسماع ما قد يفيدني في تنظيم وقتي، وتكلمن عن نفس الشعور بالعجلة وضيق الوقت، وأن هذه طبيعة الحياة كوالدات لأطفال صغار. شعرت بالإحباط لأنني لم أحلم أن أعيش حياتي بهذه الطريقة: أسابق الوقت فتمر الأسابيع والشهور ثم السنين، وأجد نفسي وأطفالي في مرحلة عمرية جديدة، وقد فاتتني تفاصيل حياتنا لأن مخي كان مشتتاً بمسؤوليات الحياة اليومية. وفي الوقت نفسه كنت أعلم أن هذه المسؤوليات وساعات العمل خارج سيطرتي، وإن أردت إجراء أي تغيير فسيكون محكوماً بهذه الظروف. لذا إن لم أكن قادرة على تغيير ظروفي الخارجية، سيتعين علي تغيير نفسي، وتساءلت عما إن كان بالإمكان التخلي عن شعور العجلة حتى مع زحام الروتين اليومي.

حاولت التفكير في طرق تقلل من هذه العجلة وتجعلني مسترخية أكثر وحاضرة في حياتي وحياة أطفالي، وبعد الكثير من التفكر والبحث والتجربة، توصلت إلى عدد من التغييرات التي ساعدتني في تحقيق هذا الغرض. هذه الطرق تنبع من مبدأ الحضور الذهني، وهو مصطلح تعلمته أيام الجامعة في إحدى مواد الصحة (Wellness).

الحضور الذهني يعني المحاولة قدر المستطاع أن نكون حاضرين ذهنياً في اللحظة الحالية وما يحدث فيها، مدركين لأفكارنا ومشاعرنا، متقبلين لها بغض النظر عما إذا أعجبتنا أم لا. عندما نكون في هذه الحالة من الحضور الذهني، يقل تشتت تفكيرنا في الماضي والمستقبل، وهذا بذاته يخفف من شعورنا بالعجلة لأننا لا نسعى للابتعاد عن هذه اللحظة. 

اكتشفت ان أكبر عدو لي في الحضور الذهني هو الجوال. حتى عندما لا أستخدمه، وجوده فقط بجانبي وصوت اشعارات الوتساب أو تطبيقات السوشال ميديا كافي لتشتيت تفكيري وإبعادي عن الحاضر، لذا قمت بالتالي، والجدير بالذكر أنني قمت بعمل نفس هذه التغييرات وقت دراستي بالجامعة، ومع التغييرات في حياتي مؤخراً أحسست بأهميتها من جديد:

  • حذف جميع تطبيقات السوشال ميديا من جوالي، واستخدام بعضها فقط لدى استخدامي إلى اللابتوب
  • إطفاء اشعارات مجموعات الوتساب، وأحياناً اشعارات المحادثات الفردية حين أحتاج للتركيز سواء في العمل أو في المنزل مع عائلتي 
  • استخدام تطبيقات تساعدني على التحكم بمدة استخدامي للجوال، كتطبيق Forest
  • الالتزام بروتيني الصباحي في التأمل لمدة عشر دقائق، ودائماً أستخدم تطبيق Headspace لهذا الغرض

بالإضافة إلى التحكم باستخدامي للجوال، عملت أيضاً على تغيير نمط حياتي. بدأت أبحث عن طرق أقضي بها ما أملك من وقت الفراغ دون النظر للشاشة، واكتشفت أن الهوايات اليدوية تساعدني في شحن طاقتي ولا تتطلب مجهوداً ذهنياً كبير، كالرسم أو الطبخ أو عزف آلة موسيقية، أو أي نوع من الهوايات التي يمكن القيام دون التركيز على النتيجة، لأن الغرض من هذه الهوايات في النهاية هو الاستمتاع. 

بداية التغيير كغيرها من البدايات كانت صعبة، ولكن بعد فترة من التزامي بها، بدأت ألاحظ تحسناً في نمط حياتي اليومي وحضوري الذهني. ولكن ما كان له الوقع الأكبر على حياتي كان تغييراً داخلياً في عقليتي. وجدت أن تقبل الواقع كما هو بكل مسؤولياته وفوضويته خفف من شعوري بالعجلة. أحاول تقبل ما لا يمكنني السيطرة عليه وتخطيط يومي بمرونة، والتخلي قدر المستطاع عن عقلية الإنجاز (أن حياة المرء تقاس بمدى انتاجيته)، وأن أتبنى عقلية صحية أكثر، بحيث أبذل ما بوسعي لإنجاز مهام معينة وفي نفس الوقت أقلل توقعاتي عما يمكن إنجازه أي يوم. 

أذكر نفسي مراراً بأن الحياة مكونة من مراحل مختلفة. وأنا حالياً في مرحلة التربية- مرحلة يندر فيها وجود وقت لنفسي. ربما لن أقضي نصف ساعة قبل النوم أقرأ حتى تثقل أجفاني، أو أذهب إلى النادي الرياضي بعد العمل كما كنت أفعل قبل سنين، وقد نضطر لأن نطلب وجبة العشاء من الخارج أكثر مما أرغب. ولكني أحاول تذكير نفسي بأن مرحلة الطفولة قصيرة، وفي ليلة وضحاها سيكبر أطفالي ولن يحتاجوا لي كما هم الآن، وكل ما لا أستطيع فعله حالياً قابل للتعويض إلا وقتي مع أطفالي في نعومة أظفارهم. 

حينما يأتي اليوم الذي أفتقد فيه هذه اللحظات وأتمنى أن تعود، سأشعر بالراحة وقتها لأنني حاولت قدر المستطاع أن أكون حاضرة في حياتهم، مدركة لكل تفاصيلها الصغيرة. 

هنالك أيام لا زلت أعود فيها للمنزل متعبة بعد دوام طويل، لا أملك فيها طاقة كي ألعب مع أطفالي أو أركز معهم، وكل ما أريد فعله هو الجلوس أمام شاشة التلفاز أو الكمبيوتر حتى موعد نومي. تعلمت أن أتقبل هذه الأيام أيضاً. 

أرجو أن تجدوا ما يفيد من تجربتي خلال الشهور الماضية، و ستسعدني قراءة أي تعليقات عن تجاربكم الخاصة في موازنة وقتكم والعيش في اللحظة.