هل نكبح خيال أطفالنا دون قصد؟

حين بدأت مرحلة الدكتوراه قبل ست سنوات، كان عمر ابني لا يتجاوز بضعة أشهر. ومن أصعب ما مررت به آنذاك هو الشعور بالذنب الذي ينتابني حينما أضطر لترك طفلي يومياً لعدة ساعات في حضانة الجامعة. لم تكن الحضانات متعارفاً عليها في مجتمعنا بعد، ولا يزال الأجداد -حتى اليوم- الخيار الأول لكثير من الناس في الاهتمام بالطفل في سنينه الأولى. ولكني لم أحظ بتلك الفرصة، إذ كنت مغتربة عن أهلي، ولم أكن أعرف سوى قلة من الأمهات من جيلي ممن مررن بنفس تجربتي في الخارج. كان كل شيء جديداً علي. ولكي أخفف من شعوري بالذنب، عزمت على أن تكون كل ثانية أقضيها مع طفلي ذات معنى، مليئة بالأنشطة والفعاليات. كنت أخرج معه للملعب المقابل لمنزلنا يومياً بعد العودة من الحضانة، أدفعه على الأرجوحة أو أضعه في حضني وأنزل معه على الزحلوقة. وما إن ننتهي من اللعب بالخارج حتى ندخل للمنزل وألعب معه بكل ما وقعت عيناه عليه. يستمر هذا الروتين حتى نقرأ الكتب قبيل موعد نومه ثم أغطيه وأقبل خديه. حينها فقط أسمح لنفسي بالتركيز على الأمور الأخرى. 

لا أنكر ما انطوى عليه هذا القرار من إرهاق بالغ. في معظم الأوقات، أكون خائرة القوى بنهاية اليوم. ولكني مع ذلك كنت مقتنعة بصحة قراري، وأن هذا جزء من مسؤوليتي كأم لكي أعوض طفلي عن غيابي عنه. فمهما كانت كمية انشغالاتي أو شدة تعبي، يتوجب علي وضع كل شيء جانباً والتركيز على طفلي في كل لحظة أقضيها معه. 

لعدة سنوات، لم يخل جدول طفلي من نشاط نعمله معاً. ولم أشعر بعواقب قراري حتى شهر مارس ٢٠٢٠. أغلقت الحضانة أبوابها قبل عطلة الربيع بأسبوع نظراً لتفشي عدة حالات من فيروس كورونا في الجامعة، على أمل أن تفتح أبوابها بعد نهاية العطلة. ولكن مع مرور الوقت، أدركنا أنا وزوجي والعالم بأكمله أن حياتنا كما عهدناها قد تغيرت. ووجدنا أنفسنا لأول مرة جليسي البيت مع طفل نشيط بلغ آنذاك أربع سنوات، لم يعتد أبداً على اللعب بمفرده.

شعرت بالتوتر وأنا أفكر فيما كان ينتظرنا. تلك السنة كانت آخر سنين الدراسة، وكان يجب علي إنهاء آخر مشروع بحثي وكتابة أطروحتي في الوقت الذي كان زوجي يحاول فيه هو الآخر إنهاء بحثه، كل هذا بالإضافة إلى رعاية صغيرنا الذي كان يطالب باهتمامنا طيلة الوقت. 

اتضح لي منذ الأسابيع الأولى أن وضعنا كما كان عليه غير قابل للاستمرار، وأنني إن لم أجد طريقة لشغل طفلي فلن أستطيع التخرج في الوقت المحدد. بدأت أبحث عن مصادر تساعدني، وتواصلت مع مركز استشاري للعوائل في منطقتنا. عقدنا اجتماعاً عن بعد مع أخصائية أطفال وشرحنا لها وضعنا، وأعطتنا من النصائح ما وجدنا منه الفائدة، كتجهيز عدد من الأنشطة يومياً يمكن لطفلنا أن يتنقل بينها، ووضع خطة يومية واضحة، واضعين بعين الاعتبار أن الطفل في هذا العمر قد لا ينخرط في أي نشاط سوى بضع دقائق، قبل أن ينتقل بتركيزه إلى أمر آخر. ولكن أهم نصائحها كانت ببساطة تعويد الطفل على تقبّل فكرة أن للوالدين مهام أخرى، وأنه لا مانع من الاعتذار عن اللعب مع طفلنا إن كنا مشغولين بشيء آخر، وهو ما لم أجرؤ على فعله من قبل. 

بدا الكلام سهلاً. كل ما كنت أحتاج فعله هو الاعتذار لابني إن لم أتمكن من اللعب معه. وضّحنا له أن هناك وقتاً معيناً من اليوم نلعب فيه معه، وأننا قد نكون مشغولين بمهام أخرى في بقية الأوقات. ولكن تطبيق ذلك كان أصعب مما توقعت. كان التغيير صعباً على طفلي، وكان يقابلني بالبكاء أو الإلحاح علي لكي ألعب معه، أو ربما يقاطعني بين الحين والآخر ليتذمر من لعبه بوحده. ولكننا استمرينا في خطتنا. وذات صباح بعد عدة أيام، دهشت لرؤية طفلي يلعب بمفرده لأول مرة. استغرق في اللعب بعض دقائق فقط، ولكنها كانت كافية لتشجيعي بالاستمرار. ومع مرور الوقت، ازدادت مدة لعب ابني بمفرده. رأيته يدخل بخياله لعالمه الخاص، ويخلق قصص وشخصيات لم أعلم أنها تسكن في مخيلته، وتحولت غرفة معيشتنا الصغيرة إلى مملكة سحرية يحكمها بنفسه ويمتلك حرية تامة في كل تفاصيلها. 

أدركت في تلك اللحظة أن ضرر القرار الذي ظننته صائباً قبل عدة سنوات لم يقتصر علي فقط، بل طال ابني كذلك. لم أمتلك القدرة التخيلية التي امتلكها عقل طفلي آنذاك، وهو العقل الذي كان حرًا غير محدودٍ بقوانين العالم بعد. أدركت كوني سببًا في الحد من مخيلة طفلي لما خصصت أغلب أوقاتي في اللعب معه؛ مهما حاولت مجاراته في لعبه، كنت لا شعورياً أبدي رأيي في أحداث القصة التي نعمل على تمثيلها وأعطي مقترحاتي فيما نفعل. لم يكن لدي تصور لمدى اتساع خيال طفلي، وهو الاتساع الذي يمكن الغرق فيه في أمواج رحابته. 

جعلني كل ذلك أفكر كيف أننا ربما نحكر أطفالنا من دون قصد. نعتقد أننا نعلم ما في مصلحتهم، فنسجلهم في نشاطات معينة أو قد نرغمهم على تعلم مهارة معينة لأننا موقنون بأن هذا هو الأفضل لهم. ولكننا في الواقع قد نشكلهم ليناسبوا قالب توقعاتنا، وننسى أن لهم شخصياتهم الخاصة الجميلة التي تميزهم عن غيرهم.

لست أقول بأن نترك لأطفالنا الحرية التامة في حياتهم، وليس من المعقول أن نتجاهل دورنا كأهالي ونتجاهل ما جمعنا من تجارب وخبرات في الحياة. ولكن ربما علينا أن نقلل من التدخل في جدول أطفالنا اليومي ونتذكر بأنهم قادرين على اللهو بأنفسهم، ونفسح لهم مجالاً من الاستقلالية ليجدوا أنفسهم، وليشعروا بالملل ويستكشفوا اهتماماتهم وإمكانياتهم. 

أضف تعليق