لا تبكِ

قبل بضعة أشهر، أخذت طفلي ذو الخمس سنوات في زيارة روتينية للمستشفى. كانت إحدى أكبر مخاوفه هي غرزه بالإبرة، وسألني مراراً وتكراراً عما إذا كانت زيارته للمستشفى ستتضمن ذلك، وبقدر ما تمنيت أن أعِده بأن ذلك لن يحدث، أخبرته بأنني لا أستطيع الجزم ولكنني سأكون بجانبه مهما حصل.

بعد انتهاء الممرضة من الفحوصات الروتينية، أخبرتنا بأن طفلي سيحصل على حقنة وذهبت لإحضار العدة. حينها بدأ طفلي بالبكاء وهو يترقب عودة الممرضة. جلست بجواره أحضنه وأطمئنه حتى هدأ. دخلت بعدها الممرضة وفي يديها الحقنة، وما أن بدأت تمسح ذراع طفلي بمسحة الكحول حتى عاد للبكاء من جديد. فقالت له الممرضة بحنان: don’t cry “لا تبكِ”

رد طفلي غاضباً والدموع تنهمر من عينيه: It’s ok to cry “لا مانع من البكاء”

صمتت الممرضة لبعض ثوان وبدت وكأنها تفكر بعمق، ثم قالت: “أنت محق. لا بأس من أن نبكي. لا بأس من أن نغضب، أو حتى أن نصرخ عندما نغضب ما دمنا لا نؤذي غيرنا.”ابتسمتُ حينها فرحاً بقدرة طفلي على التعبير عن مشاعره ورأيه، وبالحوار الذي دار بينه وبين الممرضة.

رد طفلي لم يكن وليد اللحظة، بل أتى بعدما سمعنا نكرر هذه العبارة على مسامعه متى ما غمره الحزن وفقد السيطرة على مشاعره. طالما ترددت على مسامعنا العبارة ذاتها عندما كنا صغار، وربما استخدمناها مع غيرنا في أكثر من حين. ظاهرياً قد لا تبدو وكأنها مضرة. نقولها لأطفالنا لأننا نحبهم ولا نريد أن يشعروا بالحزن أو أي من المشاعر الصعبة، ولأننا نتمنى أن يكونوا أشداء لا تأثر عليهم مواقف نعتبرها بسيطة. ولكن الجانب المظلم لفعلنا هذا هو تعليم أطفالنا كتم مشاعرهم، وإرسال الرسالة لهم بأن الحزن سيء أو أن التعبير عنه خطأ. نتوقع منهم التصرف بطريقة لا تناسب عودهم الطري، والتوقف عن البكاء فقط لأننا نعتبر أن ما أبكاهم لا يستحق ردة الفعل هذه. ولكن كيف لهم أن يتعلموا التعامل مع هذه المشاعر إن لم يسمحوا لأنفسهم بأن يشعروا بها؟

الصمود لا يأتي بالامتناع عن التعبير عن المشاعر، وإنما بإفساح المجال لمشاعرنا أن تخرج عن طريق التعبير عنها بطريقة سلمية غير مؤذية لأي أحد. حينها نتمكن من تخطيها والمضي بحياتنا.  

لذا لا آمر طفلي بالتوقف عن البكاء حتى وإن بدا لي سبب بكاءه تافهاً، لأنني أعلم أنه ليس تافهاً بالنسبة له. وبدلاً من ذلك، أحاول التركيز على مساعدته في شعوره. أحضنه إن كان بكاءه خارجاً عن السيطرة، أحاول فهم ما يبكيه وأوضح له أي شيء قد يساعده في فهم الموقف إن كان فهمه خطأ.

في النهاية، المشاعر لا تدوم. بكى طفلي ذلك اليوم، وحصل على الحقنة، بعدها بدقيقتين عاد إلى طبيعته المرحة وكأن شيئاً لم يكن. 

أضف تعليق