لماذا لا أمدح ذكاء طفلي؟

ابني في السادسة من عمره، وكأي طفل في هذه المرحلة العمرية، كثيراً ما يأتي ليريني عملاً يفتخر به، كرسمة رسمها أو مسألة توصل لحلها بنفسه. أنظر إليه وعيناه مليئتان بالحماس والترقب لردة فعلي. في هذه المواقف، أحاول أن أركز على فخري بإصراره وعلى المجهود الذي بذله حتى ينهى عمله، وأتجنب أن أثني على موهبته أو ذكاءه. 

قد يبدو فعلي لوهلة سلبياً. أي أم تمتنع عن مدح ذكاء طفلها؟ أليس من واجبنا كأهالي أن نبني شخصيات أطفالنا بالإطراء نعزز ثقتهم بأنفسهم بالمدح؟ 

تصرفي مبني على نتائج أبحاث الدكتورة كارول دويك، باحثة علم نفس في جامعة ستانفورد الأمريكية. دويك كرست مسيرتها المهنية لدراسة العقلية وتأثيرها على أدائنا في مختلف المجالات، ولخصت نتائج أبحاثها في كتابها”العقلية”.

في كتابها، تشرح الدكتورة دويك نوعيتين من طرق التفكير أو العقليات. أولها هي العقلية الثابتة أو الصلبة، وهي اعتقادنا بأن أداءنا ثابت وغير قابل للتغيير مهما حاولنا، كمستوانا في مادة الرياضيات، أو قدرتنا على تعلم لغة جديدة أو العزف على آلة موسيقية. النوع الثاني هو عقلية النمو: نؤمن أن أداءنا دائماً قابل للتحسن بغض النظر عن صعوبة ما نحاول تعلمه. 

دويك أجرت الكثير من التجارب العلمية لدراسة مدى تأثير العقلية على أدائنا في مختلف المهام، وأشارت نتائج أبحاثها إلى أن أداء الأشخاص اللذين يتملكون عقلية نمو أفضل من ذوي العقلية الثابتة، وأن العقلية الثابتة لها أثر سلبي على أداء الشخص. في إحدى تجاربها على مجموعة من طلاب المدرسة، قسمت دويك الطلاب إلى مجموعتين وطلبت منهم حل اختبار سهل. بعد الاختبار، أثنت دويك على المجموعة الأولى بعبارات ك”لا بد أنك ذكي. لقد تمكنت من حل جميع المسائل”. بينما ركزت في -في تقييمها للمجموعة الثانية- على مدح “جهود” الطلاب بدلاً من “ذكائهم”. بعدها أعطت دويك كلا المجموعتين اختباراً أصعب، وهذه المرة لاحظت دويك أن كثيراً من طلاب المجموعة الأولى استسلموا عندما واجهوا صعوبة في حل الاختبار، بينما استمر طلاب المجموعة الثانية في حل الاختبار، وحاولوا التفكير في أكثر من طريقة لحل المسائل الصعبة، مما أدى إلى نتائج أفضل في الاختبار. لدى مقابلتهم بعد الاختبار، أظهر طلاب المجموعة الثانية قابلية أكثر لمواجهة تحديات أصعب في المستقبل، بينما فضل طلاب المجموعة الأولى المواصلة في حل الاختبارات الأسهل.

لطالما نظرنا للذكاء على أنه صفة ثابتة: طفلتنا إما أن تكون ذكية في الرياضيات وإما لا. وحين نثني على ذكاء أطفالنا أو موهبتهم في مجال معين، فإننا وبدون قصد نحد من إمكانياتهم. فحين يحاولون ويخطئون، سيعتقدون أنه ليس لديهم الذكاء الكافي لاكتشاف الحل الصحيح . بينما عندما نثني على جهود أطفالنا، فإننا نركز على سمة بإمكانهم تحسينها. إن حاولوا وأخطأوا، كل ما عليهم فعله هو بذل مجهود أكبر.

أهم نتائج أبحاث دويك هي أننا لسنا مولودين بعقلية معينة: كلنا لديه القابلية لتبني أي من هاتين العقليتين. فربما نمتلك عقلية نمو في مجال معين، وعقلية ثابتة في مجال آخر. واستنتجت أيضاً أنه بإمكاننا تغيير عقليتنا من خلال تغيير الطريقة التي نحدث بها أنفسنا وأطفالنا. أبسطها إضافة عبارة “حتى الآن” حينما نقول بأننا غير قادرين على تعلم شيء معين. حين ننهي الجملة ب “حتى الآن” نعطي أنفسنا الفرصة لتحسين أدائنا بالمحاولة، وهذا ما أثبتته تجارب دويك. 

قرأت كتاب “العقلية” في ٢٠١٤ في بداية دراساتي العليا في جامعة ستانفورد، وكان له الأثر الكبير على مسيرتي الدراسية. علقت ورقة على جدار مكتبي فيها مقارنة للعبارات التي نستخدمها في حديثنا الداخلي سواء في عقلية النمو أو العقلية الثابتة. كلما واجهت صعوبات في البحث أو إحدى المواد أو وجدت نفسي أتبنى عقلية ثابتة، ذكرت نفسي بعقلية النمو وأضفت عبارة “حتى الآن” في حديثي مع نفسي. 

لذا في تعاملي مع طفلي، أذكر نفسي دائماً بأن أثني على مجهوده، وعندما يشعر بالإحباط حين يرتكب خطأ في مسألة معينة أو عندما تستغرقه أكثر مما كان يتوقع، أذكره بعبارة “حتى الآن”، وأنه مع المجهود سيتمكن من عمل ما كان يبدو صعباً في البداية. 

أضف تعليق