الوقت ليس كالسيف: كيف أغرقتنا عقلية الإنجاز في الظلام؟

خلال تصفحي يوتيوب ذات يوم، شد اهتمامي فيديو لرجل أعمال يدعى كريم أبو الناقة. فيه يعطينا رجل الأعمال خلال أقل من دقيقتين نبذة سريعة عن يومه الذي يبدأ منذ الرابعة والنصف صباحًا حتى موعد نومه في آخر ساعات اليوم. 

ما يغلب على الفيديو منذ البداية هو تركيزه على عامل السرعة، سواء في طريقة تصوير وإخراج المقاطع المختلفة وانتقالنا من مشهد لآخر بلمح البصر، أو في طريقة تحدث كريم نفسه عن تفاصيل يومه. نرى كريم مثلًا يركب القطار متجهاً لمقر عمله قبل أن ينتقل بنا المشهد سريعًا لكريم وهو يعمل على كمبيوتره ويمشي على جهاز السير المتحرك في الوقت نفسه. وما إن تمضي بضع ثوان حتى يأخذنا المشهد مباشرة إلى غرفة اجتماعات يتحدث فيها كريم مع موظفيه.

بدا الفيديو بأكمله وكأنه سباق مع الزمن، سباق يكاد يخسره كريم إذا ما تباطأ لوهلة أو توقف لالتقاط أنفاسه. استوقفتني بالتحديد عبارتان ذكرهما كريم في حديثه عن يومه، وهما عبارتان توضحان برأيي مخاطر عقلية الإنجاز حينما تتفاقم وتتحول إلى أسلوب حياة وغاية في حد ذاتها.

ذكر كريم العبارة الأولى أثناء خروجه من منزله متجهاً لمقر عمله. رأيناه يضع سماعاته في أذنيه وهو يقول: “أستمع (للكتاب الصوتي) بسرعة ثلاث أضعاف السرعة المتوسطة، وأنهي أكثر من كتاب بالأسبوع”. أما العبارة الأخرى فقد وردت في الثانية ٥٤ ، حينما ذكر كريم أنه يكتب ويعمل على نشر ثلاثة كتب في الربيع.

راودتني العديد من التساؤلات. ما الهدف من الاستماع لكتاب صوتي بثلاث أضعاف سرعته الحقيقية؟ وما مدى الاستيعاب الناتج عن ذلك؟ ولأي درجة يستطيع الكاتب التركيز وهو يعمل على نشر ثلاثة مؤلفات مختلفة في نفس الوقت؟ ربما كان الهدف من عرض الفيديو وإنتاجه بهذه الطريقة هو تحفيز مشاهديه، ولكني وجدت نفسي نافرة منه. قد يجبرنا العالم الوظيفي في كثير من الأحيان على أن نتحرك بوتيرة أسرع مما نرغب من أجل المحافظة على وظيفتنا أو التقدم في سلمها الوظيفي. ولذا لا نملك حينئذ خياراً سوى تسريع خطانا على أمل ألا نخسر هذا السباق. ولكن علينا الحذر من الوقوع في فخ استحضار هذا السباق لحياتنا الشخصية بحيث تصبح الإنتاجية مقياسًا لجودة حياتنا،  مما قد يحدو بنا للنظر إلى الأنشطة الترفيهية وغيرها كأنها مضيعة للوقت.

ربما استوقفني هذا الفيديو لكونه منشورًا على قناة فوربز ولكون بطله شخصًا يحمل اسمًا عربيًا، ولكنه ليس الفيديو الوحيد الذي يروج لعقلية الإنجاز. تكثر على الإنترنت مقالات وفيديوهات تتحدث عن طرق تمكن الشخص من تنظيم وقته بأدق صورة ممكنة بحيث لا يضيع أي ثانية من يومه. وبعضها يقدم نصائح قد تكون مفيدة فعلًا، ولكنها حين تصاغ ضمن إطار الإنتاجية بصفتها هدفًا، أو حين تعرض كنمط حياة مرغوب به، فهنا تكمن مشكلة. كيف لنا أن نستمتع حينها بأي شيء نفعله خارج السباق الموهوم؟ إذا لم نتوقف بين الحين والآخر لنلتقط أنفاسنا ونستمتع باللحظة، ربما نجد أنفسنا في نهاية الطريق وصلنا وجهة لم نكن نقصدها منذ البداية. 

أضف تعليق