رحلة إلى قطر بالسيارة

في إجازة يوم تأسيس المملكة العربية السعودية الماضي، قررت أنا وأسرتي الصغيرة أن نذهب في رحلة إلى دولة قطر. لم أزر قطر من قبل سوى كمحطة لتحويل الرحلات أثناء السفر دوليًا. لكن بعد استضافتها لكأس العالم وما سمعته عنها من كل من زارها، شعرت بالرغبة لرؤيتها بنفسي. 

حين بدأنا بالتخطيط للرحلة، كان السفر جوًا هو الخيار التلقائي الذي طرأ على بالي كون كل رحلاتي الدولية بالطائرة باستثناء رحلات البحرين. لكن التفكير في بعض الأمور جعلني أعيد النظر وأدرس فكرة السفر بالسيارة. الرحلة براً ليست طويلة وقد تكون ممتعة خصوصاً في هذا الوقت من السنة. كما أنها ستمنحنا الفرصة لرؤية المناظر الطبيعية على جانبي الطريق والتوقف في بعض المدن للراحة وتناول الوجبات.

بعض التردد في اتخاذ القرار تلاشى حين وقفت على اسعار تذاكر الطيران الخيالية لرحلة قصيرة لا تتعدى الأربعين دقيقة. فأسعار التذاكر لا تستحق عناء الانتظار في المطارات وتعب إجراءات السفر التي صارت هاجس كل مسافر جوا. 

بدأت أفكر أكثر في إيجابيات السفر بالسيارة؛ بالإضافة لتوفير مبالغ الرحلة الجوية لأربعة مقاعد، لن نضطر لاستئجار سيارة عند وصولنا للدوحة أو لشحن مقاعد أطفالنا أو وزن الأمتعة. وفضلًا عن ذلك، عندما حسبت الوقت الكلي الذي سيتطلبه سفرنا بالطائرة وجدته لا يقل عن رحلة السيارة عند الأخذ بعين الاعتبار مسافة الطريق من البيت للمطار، ثم الانتظار في المطار قبل الرحلة لأكثر من ساعتين ثم إجراءات المطار في الدوحة وإجراءات استئجار السيارة، بالإضافة لمسافة الطريق من المطار إلى الفندق.

بدأت أقتنع بأن السفر بالسيارة هو الخيار الأفضل ولذا بنينا خطة الرحلة عليه. ومع اقتناعي بالقرار لا أنكر ما صاحبه من توتر. تخيلت طفلي الصغير حين يبكي لسبب أو بدون سبب ويستمر في البكاء ونحن في منتصف الطريق بعيداً عن أي محطة نتوقف عندها لتهدئته وتسليته. وتخيلت أيضا طفلي الأكبر حين يصاب بالضجر والملل بسبب طول المسافة أو أن يحتاج لدورة المياه وسط الطريق. 

لكني أدرك وأؤمن دائما أن بعض التوتر نافع، لذا تقبلت وجوده كجزء من التجربة وفعلت ما بوسعي للاستعداد وللتغلب على جذور مسببات التوتر. جهزت وجبات خفيفة للطريق واخترت كتباً منوعة من التي يحبها أطفالي، وحضرت بعض الألعاب والتمارين الذهنية التي يحبها ابني الكبير لكي نلعبها أثناء الرحلة. كما قمت بتهيئة نفسي للتعامل مع المصاعب التي قد نواجهها في الرحلة. 

في يوم السفر، مشت الأمور بيسر ولم يحصل أي مما أقلقني قبل السفر. كان طفلاي مريحين طوال الرحلة ومضى الوقت أسرع مما تصورت. وجدت نفسي أستمتع بالمشوار مع زوجي وأطفالي والحديث معهم، بمنظر الكثبان الرملية التي تمنيت لو سنحت لنا الفرصة بتسلقها مع أطفالنا واللعب فيها، والنباتات الصحراوية التي أنعشتها الأمطار على جانبي الطريق، والجِمال التي تسكعت حول جانبي الشارع في منتصف رحلتنا ، وبعض الجبال والتضاريس التي أسعدت عالمة الأرض التي بداخلي. 

استغرقت إجراءات السفر في الحدود بين السعودية وقطر بضع دقائق ولم نواجه فيها من المصاعب أي شيء يذكر، وخلال أقل من ساعة وجدنا أنفسنا في ردهة الفندق. بمجرد أن وصلنا لم أنس تعب الرحلة فحسب، بل أيضا القلق والتوتر الذي صاحبني قبل بداية الرحلة، ولم أتذكره إلا الآن وأنا أكتب هذا المقال وأسترجع لحظات هذه الرحلة الجميلة.

تساءلت بيني وبين نفسي عن عدد المرات التي ترددت فيها عن الإقدام على عمل شيء ما بسبب خوفي منه وربما أجفلت عن القيام به. لم تكن تلك المرة الأولى التي يتصور فيها ذهني واقعاً لم يحدث ولا الثانية ولا الثالثة، وغالباً لن تكون المرة الأخيرة. كثير منا يخلق من بعض الوساوس مخاوف ليس لها واقع ويعطيها أكبر من حجمها، وربما يفسد خططه للمستقبل بناء على هذه المخاوف. ولكن الواقع هو أن كثيرًا من مخاوفنا لا تعدو كونها مشاعر كاذبة لا مصداق لها بالضرورة على أرض الواقع. 

بعض الخوف والقلق مفيد لأنه يساعدنا على الاستعداد للمستقبل، مثل الخوف المعقول من اختبار معين حيث يدفعنا للاجتهاد والمذاكرة. والمهم برغم كل ذلك هو أن نسأل أنفسنا دائما عما إذا كان الذي يقلقنا هو أمر حقيقي أو وهم. فإن كان وهما، علينا أن نحاول التوقف عن التفكير فيه ونمضي بحياتنا اليومية، وأما إذا كان واقعياً، فإن كان بمقدورنا تجنبه فلنفعل ذلك وإلا علينا الاستعداد لمواجهته قدر المستطاع. وكما يقال: علينا أن نفكر بالأمور التي نستطيع التحكم فيها والاستعداد لها والابتعاد عن التفكير في الأمور التي لا نستطيع التحكم فيها.  وما لا يقل أهمية عن كل ذلك، علينا أن نعلم أطفالنا أن الخوف شعور طبيعي عند مواجهة أي شيء جديد. هذا ليس نقصا في الإنسان بل هو نعمة متى ما عرف كيف يتعامل معها.

أضف تعليق